محمد بن جرير الطبري
381
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
لأربد : اخرج أنت يا أربد إلى ناحية عَدَنَة ، ( 10 ) وأخرج أنا إلى نجد ، فنجمع الرجال فنلتقي عليه . فخرج أربد حتى إذا كان بالرَّقَم ، ( 11 ) بعث الله سحابة من الصيف فيها صاعقة ! فأحرقته . قال : وخرج عامر حتى إذا كان بوادٍ يقال له الجرير ، أرسل الله عليه الطاعون ، فجعل يصيح : يا آل عامر ، أغُدَّة كغدَّة البكر تقتلني ! يا آل عامر ، أغدةٌ كغدة البكر تقتلني ، وموتٌ أيضًا في بيت سلولية ! وهي امرأة من قيس . فذلك قول الله : ( سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ) فقرأ حتى بلغ : ( يحفظونه ) تلك المعقبات من أمر الله ، هذا مقدّم ومؤخّر لرسول الله صلى الله عليه وسلم معقبات يحفظونه من بين يديه ومن خلفه ، تلك المعقبات من أمر الله . وقال لهذين : ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) فقرأ حتى بلغ : ( يرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء ) الآية ، فقرأ حتى بلغ : ( وما دُعاء الكافرين إلا في ضلال ) . قال وقال لبيد في أخيه أربد ، وهو يبكيه : أَخْشَى عَلَى أَرْبَدَ الحُتُوفَ وَلا . . . أَرْهَبُ نَوْءَ السِّمَاكِ وَالأسَدِ ( 12 )
--> ( 10 ) في المطبوعة : " إلي عذية " ، وليس في بلاد العرب موضع بهذا الاسم ، والذي فيها " عدنة " ( بفتح العين والدال ) ، وهي أرض لبني فزارة ، في جهة الشمال من الشربة ، قال الأصمعي في تحديد نجد : " ووادي الرمة يقطع بين عدنة والشربة ، فإذا جزعت الرمة مشرقًا أخذت في الشربة ، وإذا جزعت الرمة إلى الشمال أخذت في عدنة " ، أرجو أن يكون ما قرأت هو الصواب . ( 11 ) " الرقم " ، ظاهر أنه موضع ، انظر معجم البلدان ، ومعجم ما استعجم ، وصفة جزيرة العرب للهمداني : 176 ، فأنا في شك من هذا كله . ( 12 ) ديوانه قصيدة رقم : 5 ، البيت : 2 ، 3 / وسيأتيان في ص : 394 ، وقبل البيتين ، وهو أولها : ما إنْ تُعرِّي المَنُونُ مِنْ أَحَدٍ . . . لا وَالِدٍ مُشْفِقٍ ولا وَلدِ و " الحتوف " ، هي الآجال . وقوله : " نوء السماك والأسد " ، فإنه يعني السماك الأعزل ، ونوؤة أربع ليال في تشرين الأول ( شهر أكتوبر ) . وهو نوء غزير . وأما " الأسد " ، فإنه يعني " زبرة الأسد " ونوؤها أربع ليال في أواخر آب ( شهر أغسطس ) . ويكون في نوء الزبرة مطر شديد ( انظر كتاب الأنواء لابن قتيبة ص : 58 ، 59 / 64 ، 65 ) . وذلك كله في زمن الصيف . يقول لبيد : كنت أخشى عليه كل حتف أعرفه ، إلا هذا الحتف المفاجئ من صواعق الصيف . وقوله : " فجعني الدهر " ، أي أنزل بي الفجيعة الموجعة ، والرزية المؤلمة . و " يوم الكريهة " ، يوم الشدة في الحرب ، حيث تكره النفوس الموت . و " النجد " ( بفتح فضم ) ، هو الشجاع الشديد البأس ، السريع الإجابة إلى ما دعي إليه من خير أو شر ، مع مضاء فيما يعجز عنه غيره .